حسن الأمين
285
مستدركات أعيان الشيعة
وخلال موسم السلق تكون القرية في حركة دائمة متصلة ، فمن ناقلين قمحا إلى الخلاقين بالأكياس على الدواب ، ومن عاملين في الخلاقين ومن ناقلين القمح مسلوقا من الخلاقين إلى الأسطحة ، وهذا يجري بالأوعية النحاسية منقولة على رؤوس الفتيات . والذي كان يعنينا نحن الأطفال من موسم ( السلق ) أننا كنا نحصل فيه على ( الإلبة ) ( بكسر الهمزة وسكون اللام وفتح الباء ) ( والإلبة ) الاسم الذي يطلق على القمح بعد نضجه بالسلق وقبل أن يجف ، فهي الاسم الذي يتوسط القمح والبرغل . وفي هذه الحال يكون القمح ناضجا طريا يسهل مضغه ويعذب طعمه ، فيستحضر الأطفال الأواني الصغيرة ويذهبون بها إلى قمح أهلهم المسلوق حيث تملأ لهم من ( الإلبة ) . وهنا يكتفي بعضهم بأكل ( الإلبة ) منفردة ، ولا يكتفي غيرهم بذلك بل يضيفون إليها السكر الناعم فتصبح ( الإلبة ) محلاة . . . والموسم الثاني للبرغل هو موسم ( الجراشة ) . ولم تكن المطاحن الآلية قد عرفت بعد ولا يمكن نقل البرغل إلى مطاحن الحجير أو الليطاني ، لأن هذه غير معدة لمثل هذا الأمر لأن لطحن البرغل طريقة معينة هي غير طريقة طحن القمح ، فالثاني يغدو طحينا في حين أن الأول يظل خشنا وعلى أنواع من الخشونة . لذلك كان في كل بيت ( جاروشة ) معدة لطحن البرغل ، وهذا ( الجرش ) لا يجري إفراديا ولا يقوم به كل بيت لقضاء حاجته الخاصة ، لأن مجموع ما ( يجرشه ) البيت تضيق به جاروشة واحدة لذلك كان لا بد من التعاون في ذلك بين بيوت القرية كلها ، فإذا عزم أحد البيوت على ( جرش ) برغله بعث يدعو بيوت القرية للمساهمة في عملية ( الجرش ) فتقبل صبايا البيوت وقد حملن ( الجواريش ) على رؤوسهن منقولة إلى بيت الداعي ، وحيث أن ( الجاروشة ) تحتاج لأكثر من يدين لادارتها ولا بد من أن تتعاون أربع أيد أو ست أيد ، لذلك يقبل من البيت المدعو جميع ( صباياه ) ويلتقي الجميع ليلا في أوسع غرف البيت حيث تكون قد فرشت الغرفة فراشا يستطيع تلقي ( الجريش ) . وهناك تصف الجواريش واحدة جنب الأخرى حتى تمتلئ بها الغرفة وتضاء السرج وتجلس ( الصبايا ) متحلقات حول الجواريش ، ثم تدير أيديهن الجواريش مترنمات بالأغاني القروية ، ومنطلقات بالعمل والإنشاد أتم انطلاق . . . ولا ينتهي الهزيع الأول من الليل حتى يكن قد أنهين ما أعد ( للجراشة ) وقمن بنفض أذيالهن مما علق بها من آثار البرغل المجروش ، ثم تقدم الحلويات وما أعد للضيافة . كانت ليالي ( الجراشة ) من ليالي القرية المشهودة ، والقريب من مكان ( الجراشة ) يتحسسها بجوارحه وهو يصغي إلى ضجيج ( الجواريش ) ممزوجا بأصوات الفتيات في تلك الليالي القروية الماتعة . . بنات آوى ( الواوية ) من الأصوات التي كانت مألوفة في القرية هي أصوات بنات آوى ، فما هو أن يسدف الليل حتى تتجاوب الأودية والرحاب بأصوات بنات آوى صارخة في الظلمة الداجية ، أو الليلة الأضحيانة لا فرق في الحالتين . . وما هو أن تسمع كلاب القرية أصوات ( بنات آوى ) حتى تجاوبها رادة عليها ردا عنيفا . وإذا كان نباح الكلاب هو تهديد ووعيد وإنذار ، فما من أحد يعرف الحكمة التي تتوخاها بنات آوى بالإعلان عن نفسها بهذا الصياح العجيب ، والإشارة إلى وجودها بهذا النداء الغريب . على أن بعض ( فلاسفة ) القرية فسر ذلك بأنه نوع من استكشاف قوى العدو ومعرفة حقيقة هذه القوى ومدى فعاليتها ، وذلك بما تجيب به الكلاب من نباح يكثر أو يقل بحسب كثرتها أو قلتها . . . وعند ما يتعالى هتاف ( ابن آوى ) الخبيث فان أول ما يتبادر إلى ذهن القروي هو ذكر دجاجاته ، ففرائس ( بنات آوى ) هي دائما الدجاجات . ومهما حصنها صاحبها ، ومهما أحاط ( القن ) بما يحسب معه أن الاقتحام أصبح متعذرا ، ورغما عن وجود الكلب ، الحارس الأمين ، فسيظل ( الواوي ) يجد منفذا يصل منه إلى ( قن الدجاج ) والفوز بصيد ثمين . . . وإذا كانت ( بنات آوى ) تتصايح في أول الليل ، فهي تسكت حينما تهجع العيون ، ففي تلك الساعات تدركها الحكمة ويعود إليها التعقل وتمتلكها الرزانة ، فلا تعود تعلن عن وجودها وتدل على مكانها ، بل تأخذ بالتهيؤ والاستعداد للتسلل إلى ( قن الدجاج ) محاذرة أشد ما تحاذر أن لا تثير انتباه الكلاب ، لتمرق إلى غايتها آمنة مطمئنة ، وكثير ما نجحت خططها في استغفال الكلاب واقتحام الدجاج بلا خوف منها ، ولكن الويل لها إذا أحس الكلب ( بواو ) قريب منه ، ثم فاجاه بالهجوم عليه ، فان معركة ( الواوي ) معه خاسرة حتما ، لا يخرج منها إلا مهشما ممزقا داميا . . . أما إذا استطاع الافلات والركض هاربا من الكلب وعدا الكلب وراءه ، فان الكلب لن يدركه أبدا ، وسيظل هو أسرع من الكلب ، ويظل راكضا حتى يصبح في الحقول الواسعة المترامية ، فيرجع عنه الكلب خائبا . . . وهنا يؤلف القرويون ما يشبه المثل ، بان يقولوا : أن سائلا سال ( الواوي ) لما ذا تستطيع دائما النجاة من براثن الكلب إذا حاول اللحاق بك ؟ . فأجاب ( الواوي ) : لأنني أركض لنفسي والكلب يركض لغيره . . . وكما كان يسطو ( الواوي ) ليلا على الدجاج فكذلك كثيرا ما كان يسطو الذئب على الغنم والمعزى في حظائرها فيفوز بفريسته جارا لها إلى البراري . . . والكلب هنا لا يستطيع مقارعة الذئب لذلك لا يدخل معه في معركة أما ما يعمله فهو أن يوالي النباح عنيفا صارخا ليوقظ النائمين ، فيهبوا لحماية ماشيتهم . . . لقد صمتت ( بنات آوى ) ، ولم يعد يسمع لها صياح في محاجر القرية وحقولها الدانية ، وأمنت الدجاجات فلم تعد تبيت قلقة مروعة ، وانعدمت الحاجة إلى الكلاب ، فلم يعد لها ذاك المجد باعتبارها الحراس الشجاعة . فتوارت عن القرى وغابت عن بيوتها . أشياء كثيرة تبدلت في القرية ، وحالات عديدة زالت فيها من